الشيخ محمد رشيد رضا

129

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وعن الشعبي وعكرمة وقتادة وغيرهم أن البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال وان مات منها شيء أكله الرجال والنساء . فان قبل إن الآية في شأن ما في بطون هذه الانعام لا في نفسها فلا يصح ادخال قول هؤلاء في تفسيرها - قلنا يصح ذلك بل هو المتبادر من بعض الاءات أابن عامر « وان تكن » بالتاء و « ميتة » بالرفع ، وابن كثير يكن بالياء وميتة بالرفع ، وأبو بكر عن عاصم يكن بالياء وميتة بالنصب . فاما الأول فليس في اءته إلا تأنيث الفعل « تكن » لتأنيث خبره وأما اءة ابن كثير فقالوا ان فيها حذف الخبر والتقدير وان يكن لهم ميتة - أو - وان يكن هناك ميتة ، وتذكير الفعل لان الميتة بمعنى الميت ، وهذا يصدق بتلك الانعام نفسها وبأجنتها التي في بطونها ، ومثل ذلك ما إذا جعلت يكن بمعنى يوجد أي فعلا تاما . وقالوا في تقدير اءة عاصم : وان تكن المذكورة ميتة - وهو يشمل تلك الانعام وما في بطونها أيضا . بل قال بعضهم مثل هذا في اءة الباقين ولكن الذي يتبادر إلى ذهن العربي الفصيح من قوله تعالى « وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً » بالنصب ان المراد وان يكن ما في بطون تلك الانعام ميتة . فالفائدة المعنوية في اختلاف الاءات ما ذكرنا وما عداه فاختلاف وجوه جائزة في اللغة ومن مباحث اللفظ في الآية ان قوله خالصة فيه وجوه أحدها ان التاء فيه للمبالغة في الوصف كراوية وداهية وطاغية فلا يقال إنه غير مطابق للمبتدأ على القول بأنه خبر ، وثانيها ان المبتدأ وهو « ما في بطون هذه الانعام » مذكر اللفظ مؤنث المعنى لأنه المراد به الأجنة فيجوز تذكير خبره باعتبار اللفظ وتأنيثه باعتبار المعنى - وثالثها انه مصدر فتكون العبارة مثل قولهم عطاؤك عافية والمطر رحمة والرخصة نعمة - ورابعها انه مصدر مؤكد أو حال من المستكن في الظرف وخبر المبتدأ « لذكورنا » سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ يقال جزاه كذا وبكذا - أي جعله جزاء له على عمل عمله ، قال تعالى ( أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ) الخ وقال ( فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ) وقال ( 10 : 52 هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تعملون ) وقال ( 27 : 90 هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) وجعل الجزاء عين العمل قد تكرر في سورة أخرى وقدروا له كلمة جزاء أو ثواب وعقاب بناء على أن العمل هو ما يجازى عليه لا ما يجازى به ، ولكن تعبير الكتاب لا يكون الا لنكتة « تفسير الآن الحكيم » « 17 » « الجزء الثامن »